الخميس، 27 أغسطس 2020

المختار من البصائر والذخائر للتوحيدي (3)


 

قال أبو بكر الواسطي: هيبة العارف بالله ممزوجةٌ بسروره، وخوف مفارقته ممزوج برجاء اتصاله، وشوقه إلى لقائه ممزوج بالحياء منه، فلا هيبتُه تذهب بسروره، ولا خوف مفارقته يغلِبُ رجاءَ اتصاله، ولا الحياءُ منه يُنفِّرُه عن الشوق إلى لقائه.

 

اللهم إنِّي أعوذُ بك من الفقر إلا إليكَ، ومن الذُّلِّ إلا لك.

 

الاتفاق بعد الاختيار، والفِراق بعد الاختبار.

 

ما قُرِن شيء إلى شيء أحسن مِن علمٍ إلى حِلم، ومِن عفو إلى ظلم.

 

من مَلَّ اعتلَّ، ومن جَنى تجنَّى.

 

مِن فَضْل الناطق على الصامت أن الناطقَ يهدي ضالاًّ، ويُرشد غاويًا، ويُعلِّم جاهلاً.

 

من أمسك عن الفضول عدَّلت رأيَه أهلُ العقول.

 

من لم يكُنْ له عند السُّوأى صبرٌ، لم يكن له عند الحُسنى شُكر.

 

القناعة سيف لا ينبو، والصبر مَطيَّة لا تكبو، وأفضل عُدَّةٍ صبرٌ على شدة؛ (الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه).

 

صِدق الانقطاع ألا يكون لكَ إلى غيرِ الله عز وجل حاجة؛ (السَّري السَّقطي).

 

لحظُ القلوب أسرعُ من لحظ العيون؛ (يحيى بن معاذ).

 

مَن ازداد علمًا فلم يزدَدْ زهدًا، لم يزدَدْ من الله إلا بُعدًا؛ (الحسن البصري).

أهمُّ بشيءٍ والليالي كأنها

تُطاردني عن كونِه وأطاردُ

 

لا تكُنْ كمن تغلِبُه نَفْسه على ما يظن، ولا يغلِبُها على ما يستيقن؛ (عون بن عبدالله).

حتى متى لا نرى عدلاً نُسَرُّ به

ولا نرى لدعاةِ الحقِّ أعوانَا

مستمسكين بحقٍّ، قائلين به

إذا تلوَّن أهلُ الجَوْر ألوانَا

يا للرجال لداءٍ لا دواءَ له

وقائدُ القوم أعمى قاد عُميانَا

 

• (من شعر عبدالله بن المبارك).

إن الزمانَ وما ترَيْنَ بمَفْرِقي

صرَفا الغواية فانصرَفتُ كريمَا

وصحوتُ إلا مِن لقاء محدث

حَسَنِ الحديث يزيدني تعليمَا

 

(إبراهيم بن العباس).

لا تُحسِن محادثةَ الرجال إلا بحُسن التفهُّم.

 

الإقلال من الضارِّ خيرٌ من الإكثار من النافع؛ (أبقراط).

 

من كلام الحكماء:

لا ظَفَر مع بغي، ولا صحة مع نَهَم، ولا ثناء مع كِبْر، ولا صداقة مع غضب، ولا شَرَفَ مع سوء أدب، ولا بِرَّ مع شح، ولا اجتناب مُحرَّم مع غَرَض، ولا محبة مع هُزُؤ، ولا عُذر مع إصرار، ولا راحة مع حسَدٍ، ولا سُؤدَد مع انتقام، ولا رئاسةَ مع غَيرة وعُجْب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثباتَ لِمُلك مع تهاونٍ وجَهالة.

 

الحزن يهدُّ البدن، والشوق يهدُّ القلب.

 

توبة المذنِب اعتذاره.

 

ليس شيء أقعدَ برجُلٍ عن مكرُمة من صِغَر همة.

 

قال بعض الأدباء في رسالة إلى أخ له: إنك مِن جَوارحي يميني، ومِن سوانحي يقيني.

 

من المروءة اجتنابُك ما يَشينك، واجتباؤُك ما يَزينك.

 

البريء جريء، والخائن خائف، ومن أساء استوحش.

بالمِلْحُ يُدرَكُ ما يخشى تغيُّرُه

فما دواءُ المِلْح إن حلَّت به الغِيَرُ

 

الأقلام مطايا الفطن؛ (عمرو بن مَسْعدة).

 

قال أبو حيان بعد مسألة أجَّل الجوابَ عنها: فانتظر جوابَ هذه أيضًا، فما خلص من هذا النمط إلا بهجر الرُّقاد، ومسح البلاد، ولقاء الجهابذة النُّقاد.

 

قلت: ومَن صبَر على مكاره العِلم، نال على قَدْرِ تعَبِه.

 

وقال عن بعضِ مَن تكلم في القرآن بغيرِ علم: هذا - أيَّدك الله - ونُظَراؤُه أزاغوا أصلَ العِلم، ونقضوا عُرَى الحقَّ، ومحَوْا محاسن الدِّين.

 

الحركة وَلُود، والسكون عاقر.

 

قيل للزهري: مَن الزاهد في الدنيا؟ فقال: من لم يمنَعِ الحلالُ شُكرَه، ولم يمنَعِ الحرامُ صبرَه.

 

تعوَّدوا الخير؛ فإنما الخيرُ عادة؛ (عبدالله بن مسعود رضي الله عنه).

 

ما أحكَمَ ما تَبنُون، وأطولَ ما تأمُلون، وأقربَ ما تنتقلون؛ (أبو الدرداء رضي الله عنه).

 

قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ [مريم: 8] قال: خمسٌ وتسعون.

 

قال أبو حيان: ليتَ ابن عباس عرَّفنا وجهَ هذا القول؛ فإنه فتيا مجرَّدة، واللفظ لا يدلُّ عليه، والعُرْف لا يشهَدُ له.

 

إذا كان الليل فاخفض، وإذا كان النهارُ فانفض؛ لأن الصوتَ بالليل يسري، وأما بالنهار فتبعُد الجهات منه.

 

المودة رُوح، والزيارة شخصُها.

 

عجبًا لِمن عُومِل فأُنصِفَ، كيف يَظلِمُ! وأعجب منه مَن عُومِل فظُلِم، إذا عامل كيف يَظلِمُ!

والمرءُ يولَدُ وحدهُ

فيعيش ثم يموتُ وحدَهْ

 

قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناسُ في شيء ما، فالأمرُ ما عليه أهلُ الثغور؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69].

 

أغنى الناسِ مَن كثُرت حسناتُه، وأفقرُهم من قلَّ نصيبُه منها.

 

أنا الغريق فما خوفي من البلَلِ....

 

الشيء وآفتُه:

آفة العلم النسيانُ.

آفة الظُّرف الصَّلف، آفةُ العبادة الفَترة، آفة الحاجة الكِبْر، آفة الحِلم الذُّل، آفة القصدِ البُخل، آفة العقل الهوى، آفة الحديث الكذبُ، آفة الشجاعة البغيُ، آفة الحسَب البطرُ، آفة الجودِ السَّرفُ، آفة الحِذْق العُجْبُ، آفة الوعظِ العنفُ، آفة الموعوظ المَلَل، آفة الرأيِ الاستبدادُ.

 

رُبَّ ساعٍ لقاعد.

حاسَبونا فدقَّقوا

ثم مَنُّوا فأعتَقوا.

 

الموتُ طريقٌ تستوي فيه الاقدامُ، ويسلكُه المُقصِّر والمِقدَام.

 

 


الأربعاء، 26 أغسطس 2020

القبس العاطر من صيد الخاطر (1)

القبس العاطر من صيد الخاطر (1)

 

هي فوائدُ وحِكَم قليلة المبنى، لكنها كثيرةُ المعنى، استخرجتُها من كتاب "صيد الخاطر" للإمام الكبير: جمال الدين عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن الجوزي رحمه الله، المتوفى سنة 597 هجرية.

 

الطبع جواذبُه كثيرة، وليس العَجَبُ أن يَغلب، إنما العجب أن يُغلب.

مَن عاين بعين بصيرته تناهيَ الأمور في بداياتها، نال خيرها، ونجا من شرِّها.

الأمر بعواقبه.

راقب العواقب تسلَمْ، ولا تمِلْ مع هوى الحس فتندم.

من تفكَّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومَن أيقن بطول الطريق تأهَّب للسفر.

مَن قارب الفتنة، بَعُدتْ عنه السلامة.

مَن ادَّعى الصبر، وُكِل إلى نفسه.

الهوى مُكَايد.

أعظم المعاقبة: ألا يحسَّ المعاقب بالعقوبة.

من علامة كمال العقل: علوُّ الهمة، والراضي بالدُّون دنيء.

مَن أحبَّ تصفية الأحوال، فليجتهِدْ في تصفية الأعمال.

من الاغترار: أن تُسيءَ فيُحسَن إليك، فتتركَ التوبةَ؛ تَوهُّمًا أنك تُسامح في الهفوات.

ينبغي للإنسان أن يعرف شرفَ زمانه، وقدر وقته، فلا يُضيِّعَ منه لحظة في غير قُربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل.

تصنيفُ العالم وَلَدُه المخلَّد.

الأخذ بالحزم أولى بالعاقل.

فليَعلَمِ العاقلُ أن ميزان العدل لا يُحابي.

المُحقِّقُ لا يهوله اسم معظم.

نعوذ بالله من الجهل، وتعظيم الأسلاف؛ تقليدًا لهم بغير دليل.

مَن ورد المشرب الأول، رأى سائر المشارب كدرة.

المحنة العظمى مدائح العوام.

بعد الوصول يُستغنَى عن الدليل.

معنى الإدراك أحلى عرفانًا من المُدرَك.

كم من متأخر سبق متقدِّمًا.

الحذرَ الحذرَ من رؤية المشتهى بعين الحُسن.

أصل الأصول: العلم، وأنفع العلوم: النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

احذر من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به.

قد ضلَّ مَن مشى في ظلمة الجهل، أو في زقاق الهوى.

الظلمات إنما تُقطع بمصباح العلم.

العمل على الأسباب مع تعلُّق القلب بالمُسبِّب هو المشروع.

يا نفس، طوبى لك إن عرفتِه؛ فإن عرفانه ملك الدنيا والآخرة.

بادر الوقت باغتنام الطاعات.

سيدي، كيف أقدر على شكرك؟ وبأي لسان أنطِقُ بمدحك؟

تلمَّحوا المآل، وافهموا الحال.

الحذرَ الحذرَ؛ فإن الله تعالى لا يُخادَع، ولا يُنال ما عنده بمعصيته.

العلم طبيب مُلازِمٌ؛ يَصِفُ كلَّ لحظةٍ لكلِّ داءٍ يعرِضُ دواءً يلائم.

ليس كمالُ الدين بالخروج عن الطِّباع، ومخالفة الأوضاع.

من تأمَّل خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى كاملاً في العلم والعمل؛ فبه يكون الاقتداءُ، وهو الحجة على الخلق.

لا خير في لذة تُعقِبُ ألمًا.

لو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا، لرأَتِ المسبِّبَ لا الأسباب، والمقدِّر لا الأقدار، فصبَرَتْ على بلائه؛ إيثارًا لما يريد.

إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفتَه رضيتَ بقضائه.

ينبغي الاجتهادُ في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجِدِّ في الخدمة؛ لعلَّ ذلك يُورِثُ المحبة.

العلم يُوجِبُ المعرفةَ بالله تعالى.

مداراةُ النفوس والتلطف بها لازمٌ.

التعرُّض لما يوجب الفساد: غلَط عظيم.

الحق مرٌّ.

العلم يَنفَعُ ويرفَعُ.

لا يُكشف ما قَنَّع الشرع.

الغفلة تُوجِب الأَسْر، والقسر، والحيرة.

القرآن يحتوي على عجائب الحِكم؛ فمن فتَّشه بيدِ الفهم، وحادَثَه في خلوة الفكر - استحب رضا المُتَكلم به، وحظي بالزلفى لديه.

العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل، نفع ورفع.

قلوب العارفين يُغار عليها من الأسباب، وإن كانت لا تساكِنُها.

الأسباب طريق، ولا بد من سلوكها.

طوبى لمن عرف المسبِّب، وتعلَّق به؛ فإنها الغاية القصوى!

المؤمن لا يبالغ في الذنوب.

إذا غلبت الغفلة، وقع الذنب.

أفضل الأشياء التزيُّد من العلم.

المعرفة ثمرة العقل.

شرعُنا مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا خللَ فيه ولا دَخَلَ.

إنما الطريق طريق السلف.

لا يَهولنَّك ذكرُ معظَّم في النفوس.

لعن الله عادةً تخالف الشريعة.

الشرع تامٌّ كامل.

التقوى أصل السلامة.

الزمان لا يثبت على حال.

لازِمِ التقوى في كل حال؛ فإنك لا ترى في الضيق إلا السَّعة، وفي المرض إلا العافيةَ، هذا نقدها المعلوم، والآجل معلوم.

أنت وما اخترت لنفسك.

يريد اختبارك؛ ليبلوَ أسرارك.

رُبَّ كلمةٍ جرى بها اللسان، هلك بها الإنسان.

أُفٍّ للذنوب! ما أقبحَ آثارَها! وما أسوأَ أخبارَها!

 

انتهت الحلقة الأولى بفضل الله، وتليها الحلقة الثانية إن شاء الله

 

 

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/90527/#ixzz6WDzJpyQ2

التأليف الإبداعي عند علماء المسلمين ... رسالة الشافعي نموذجا

يُعَدُّ كتاب الرسالة للإمام الشافعي بحقٍّ باكورةَ ما يُمكن أن نُسمِّيه التأليف الإبداعي عند علماء المسلمين، والذي يُعتبر بحقٍّ أوَّل تدوينٍ لعلم أصول الفقه، وأوَّل إرساءٍ لقواعد وأصول هذا العلم الإسلامي الخالص.

 

وقبل أن نبدأ، أرى أن نُعرِّج أولاً على مقصودنا بالتأليف الإبداعي.

 

إذا بحَثنا في لسان العرب عن معنى "تأليف"، نرى أن "ألَّفْت بينهم تأليفًا: إذا جَمَعت بينهم بعد تَفرُّق، وألَّفْت الشيء تأليفًا: إذا وصَلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكُتب".

 

إذًا؛ من معاني التأليف الجَمْع والوصل.

 

وإذا ذهَبنا إلى لسان العرب كذلك - لنرى معنى الإبداع - فسنرى الآتي: "بدَع الشيء يبدعه بَدْعًا وابتدَعه: أنْشَأه وابتدَأه، وبدَع الرَّكِيَّة - وهي البئر تُحْفَر -: استَنْبَطها وأحدَثها، والبديع والبِدع: الشيء الذي يكون أولاً، وفي التنزيل: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9]؛ أي: ما كنتُ أوَّل مَن أُرْسِل، وأبْدَعتُ الشيء: اخْتَرَعته لا على مثال".

 

إذًا؛ من معاني الإبداع: الاختراع والإنشاء، والابتداء والاستحداث على غير مثال سابق.

 

وعلى ضوء ما سبَق، إذا جِئنا نُعرِّف التأليف الإبداعي، نقول: هو الجَمْع لقواعد علمٍ من العلوم، ووَصْلها على غير مثال سابقٍ، ويكون المؤلف هو مُنشئ هذا العلم، ومُستنبطه ومُخترعه.

 

الإمام الشافعي والتأليف الإبداعي:

الإمام الشافعي: علَم غني عن التعريف، له في العلم فضلٌ لا يُنكر، واجتهاد لا يُنقض، وهو من أوتاد العلم وأعلامه، وحين ألَّف كتابه الرسالة، لَم يكن هناك علمٌ يُعرف بعلم أصول الفقه.

 

نعم، كان العلماء قبله يُمارسون هذا العلم، لكن لَم تكن قواعده مكتوبة، وأُسسه موضوعة، وحُجَجه مُحرَّرة، ومجموعاته مُقَسَّمة.

 

فجاء الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وفعَل ذلك، فاسْتَنبَط وجَمَع، ورتَّب وقسَّم، وقعَّد وناقَش، وأصَّل.

 

سبب تأليف الإمام الشافعي للكتاب:

ألَّف الإمام الشافعي الكتاب بناءً على طلب من الإمام عبدالرحمن بن مهدي المُحدِّث الشهير؛ حيث طلب منه: "أن يضعَ كتابًا فيه معاني القرآن، ويَجمع مقبولَ الأخبار فيه، وحُجَّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسُّنة"؛ رواه الحافظ ابن عبدالبر بإسناده في "الانتقاء"، ص (27)، (73).

 

يقول الشيخ أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه للكتاب: "وهذا كتاب الرسالة أوَّل كتاب أُلِّف في أصول الفقه، بل هو أوَّل كتاب أُلِّف في أصول الحديث أيضًا".

 

ويقول الفخر الرازي: "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه، ويَستدلون ويَعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كُلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفيَّة معارضتها وترجيحاتها، فاستَنْبَط لهم الشافعي عِلمَ أصول الفقه، ووضَع للخَلق قانونًا كليًّا، يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبَت أنَّ نسبة الشافعي إلى عِلم الشرع، كنسبة أرسطاطاليس إلى علم العقل"؛ "مناقب الشافعي"، ص (57).

 

والمُتصفِّح لكتاب الرسالة للإمام الشافعي، يَجد دليلَ ما قلناه، فيجد أن الإمام - رضي الله عنه قد قام بالآتي:

 

1- استَنْبَط واستخرَج قواعد هذا العلم، والتي لَم تكن مسطورة من قبلُ.

 

2- جمَع هذه القواعد في صعيد واحد، بنسقٍ منطقي مُرتَّب.

 

3- وصَلها ببعض: عرضًا، وتقسيمًا.

 

4- ناقَش الاعتراضات الواردة، وحاجَج وبيَّن الأدلة، وأصَّل القواعد الكلية لهذا العلم.

 

وهذه النقاط الأربع من خصائص التأليف الإبداعي الذي نَقصده ونَنشده.

 

ومن السابق يتَّضح لنا قيمة هذا الكتاب وحاجتنا الماسَّة في هذا العصر إلى هذا النمط من التأليف القائم على الأصالة والتجديد.

 

هذا ويبقى شيء آخر قبل نهاية المقال، وهو أنَّ أفضل طبعة لهذا السفر الجليل، هي الطبعة التي سَهِرَ على خدمتها العلاَّمة المُحدِّث اللغوي القاضي: أحمد محمد شاكر - رَحِمه الله، وبرَّد مَضجعه - فقد قام الشيخ بخدمة الكتاب خدمةً شَهِد لها أولو العلم والاختصاص، فضلاً عن سائر الناس، وحقَّقه تحقيقًا أَرْبَى على الغاية.

 

وفي نهاية المقال أرجو أن أكون وُفِّقت في بيان بعض ملامح التأليف الإبداعي، من خلال هذا الكتاب الغالي للإمام الرئيس محمد الشافعي بن إدريس.

 

تَمَّ الاستعانة بموقع الباحث العربي للبيان اللغوي للكلمات.

 

تَمَّ الاستعانة بمقدمة الشيخ شاكر على الرسالة، طبعة دار التراث، مصر.

 

 

 

دفاع عن الأدب

دفاع عن الأدب

 

للشاعر والأديب المصري الكبير الأستاذ طاهر أبو فاشا (1908 - 1989 م) كتاب بعنوان: "الذين أدركتهم حُرفة الأدب"، وهو من الكتب الشائقة التي يَستمتِع المرء بقراءتها وصُحبتها لطرافة موضوعها، وهو في هذا الكتاب يتناول قضيةً قديمة جديدة هي: قضية ما شاع وانتشر في كتب الأدب تحت عنوان: "حُرفة الأدب"؛ كما في كتاب "ثمرات الأوراق"؛ لابن حجة الحموي، والذي أفردها بفصل خاص بها في كتابه.

 

والأستاذ أبو فاشا - رحمه الله - في هذا الكتاب يُحاول التأكيد على أن: "الأدب من حيث هو أدب لا يُمكن أن يكون لعنة تنصبُّ على رؤوس الأدباء، وأن الذين حورفوا من الأدباء تجد لحرافهم أسبابًا مُختلفة ليس الأدب واحدًا منها" (ص: 5).

 

وهو في هذا يُحاول نفي هذه التهمة عن الأدب، والتي ألصقها به الكثيرون حتى فشَت وانتشرت بين الناس، حتى إذا رأوا أديبًا يعاني في حياته من شقاء أو بؤس أو أصابه ضيق أو ألمَّت به كربة من كرب الدنيا قالوا في إشفاق بيِّن: "أدركته حرفة الأدب" في مُحاولة سَهلة لتبرئة أنفسهم ومُجتمعهم وعصرهم - بل والأديب نفسه - من هذه التهمة وإلصاقها بالأدب، والأدب منها براء.

 

يبدأ الأستاذ كتابه ببيان ما يراه الصواب في ضبط هذه الكلمة، فيرى أنها حُرفة بالضم لا حِرفة بالكسر، خلافًا لما اشتهر على لسان الأدباء والكتاب؛ نظرًا لأن حُرفة بالضم تعني: الحرمان وسوء الحظ، ويرى أنها أدلُّ على مقصودهم وحالِهم.

 

ويتساءل بعدها قائلاً: "ما العلاقة بين الأدب والعِوَز والحرمان؟ أو بينه وبين الجِدة وخفض العيش وإقبال الدنيا ولِين الحياة؟" (ص: 13).

 

فيُجيب قائلاً: "قد لا تظهر هذه العلاقة إذا كان الأديب لا يتَّخذ من الأدب مطية إلى المال؛ فقد يكون مبلول اليد على قدر من اليسار والسعة يُغنيه عن التكسُّب بأدبه، أو يكون مصروفًا عن التكسُّب بالأدب لأي سبب، ولكننا إذا قررنا أن الأدب فكر ومَوقف ورأي يَخرج من بوتقة الصياغة الفنية فإن أصحاب الأفكار والآراء بعامة مُستهدَفون، وبخاصة إذا كانت أفكارهم وآراؤهم تُعارض السُّلطة"، ويؤكد على ما يذهب إليه قائلاً: "ولكن لاحِظ أن ذلك لم يكن للأدب من حيث هو أدب، وإنما لموقف الأديب" (ص: 13).

 

وهو هنا يُقرِّر أن الأديب الذي تُصيبه حُرفة الأدب هو ذلك الأديب الذي يتَّخذ من الأدب وسيلة للتعيش وكسب الرزق.

 

ثم ينتقل لبيان سبب آخر يراه سببًا خاصًّا بالشعراء، وهو أن الشعراء قديمًا كانوا يتكسَّبون بالشعر ويتَّخذونه سبيلاً لرغد العيش ونَيل ملذاتها، وهذا قديم مشتهر عنهم، ودواوين معظمهم طافحة بهذا، وكتب الأدب بها الكثير من القصص عن هذا الأمر، ولكن عندما تغلَّب الأعاجم من الفرس والديالم والتركمان والشركس وركبوا الحكم وتمكنوا من السلطان، تغيَّر الحال، ولم يجد الشعراء آذانًا صاغية تَطرب لشِعرهم، ولا يدًا سخية تُجزل في عطائهم - إلا ما ندر، والنادر لا حكم له - ومن ثم اضطر الشعراء إلى البحث عن سبُل أخرى للعيش وطلب الرزق غير التكسُّب بالشعر، وعندها بارت تجارتهم وكسَدت صناعتهم وسخطوا على الدنيا عندما عضَّهم الفقر ومسَّتهم الحاجة، وظلموا الأدب حينما تصوَّروا أنه هو - وليس تخلُّف العصر وانحداره - السبب في حرافهم، وقال قائلهم (ص: 20):

ما لي خملتُ وضاع مكتسبي

هل أدركتني حرفة الأدب؟!"

 

ويرى الأستاذ طاهر - رحمه الله - "أنك إذا ذهبت تَستقرئ حياة المُكدين لوجدت لإكدائهم أسبابًا أخرى ترجع إلى سلوكهم أو إلى طبيعة العصر أو إلى نوعية علاقتهم بالمجتمع" (ص: 21).

 

وقد دلل الأستاذ طاهر - رحمه الله - على صواب ما ذهب إليه بذكر بعض مَن احترفوا شكوى الزمان، والذين كانت تطلعاتهم أكبر من واقعهم فأحسوا الحرمان ولا حرمان، وراحوا يسبُّون الأيام ويُعاتبون الزمان، وذكر مثالاً عليهم: الشاعر جحظة البرمكي في القديم، وحافظ إبراهيم شاعر النيل في الحديث، وبيَّن أنهما كانا في حالٍ لا يُمكن أن توصف أبدًا بحالة البؤس والعِوَز، ولكنهما كانا مستورَي الحال، لكن لم يكونا من الفقراء كما لم يكونا أيضًا من الأغنياء وسراة القوم".

 

ثم ذهب يذكر طائفةً أخرى ممن عاشوا في بؤس وشقاء وعِوَز من الشعراء، وذكر منهم: الحطيئة وأبو الشمقمق، وأبو الرقعمق، وابن لنكك، والخبز أرزي، وأبو الحسين الجزار، وابن دانيال الكحال... ثم انتقل إلى العصر الحديث فذكر من الشعراء: إمام العبد، ومحمد مصطفى حمام، وعبدالحميد الديب (وقد أطال عنده الوقوف)، ومحمود أبو الوفا.

 

وقد أبحر أبو فاشا - رحمه الله - في عوالم هؤلاء الشعراء، وبحث وفتَّش في حياتهم وطريقة عَيشِهم وأسلوبهم في التعاطي والتواصل مع عصرهم ومُجتمعاتهم، مُحاولاً الوقوف على السبب الحقيقي وراء حُرفتهم؛ حتى يدفع عن الأدب بعامة والشعر بخاصة هذه التهمة التي ألصقت به زورًا وبهتانًا.

 

لقد حاول الأستاذ طاهر أبو فاشا - رحمه الله - في هذا الكتاب الشائق الماتع الدفاعَ عن الأدب وتبرئة ساحته من تهمة لحقت به، وسعى جاهدًا في بيان أن هناك أسبابًا كثيرة مختلفة هي التي كانت وراء حُرفة الأدباء وإكدائهم ليس الأدب من بينها، بدليل أنه وجد الكثير من الأدباء في كل عصر ومصر سعدت دنياهم وبسمت لهم الحياة وتقلَّبوا في نعيمها، ونالوا من ملذاتها دون أن يشكل الأدب عائقًا لهم عن نَيل ما تمنوا.

 

ورحم الله الأديب الشاعر طاهر أبو فاشا الذي دافع في كتابه هذا عن الأدب.

 

المصدر: كتاب ( الذين أدركتهم حرفة الأدب ).

المؤلف: طاهر أبو فاشا.

دار الشروق - مصر - الطبعة الأولى 1401 هـ = 1981 م.

 

 

أهم مائة كتاب في مائة عام موسوعة عصر التنوير

في عام 1992 م صدر المجلد الأول من موسوعة عصر التنوير بعنوان : أهم مائة كتاب في مائة عام وذلك بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس دار الهلال العر...