أبوحيان التوحيدي
ذلكم الإسم الذى جمع المتناقضات وكان فوق التصنيفات فلم يحسب على طائفة ولم ينسب لمذهب ... اختلف كل من ترجموا له في أشياء كثيرة لكنهم اتفقوا على علو بيانه وتفرد أسلوبه واهتمامه بالإنسان وانشغاله بالبحث عن السعادة وعلى سعة معارفه ونهمته في الإطلاع ....
رموه بالزندقة وضاقت عليه الدنيا حتى اضطر أن يحرق كتبه ضنا بها على الناس الذين جحدوا قيمته ولم يعرفوا له مكانته ...
أديب من طراز خاص ابكل ما تحمله الكلمة من دلالات أخذ من كل علم بطرف وغاص في علوم وفنون عصره واهتم بأمور وقضايا متنوعة ... انتقد الفرق والمذاهب والاتجاهات وأرباب العلوم انتقد المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وغيرهم لذا فقد ناصبوه العداء لأنه كان مختلفا عنهم لا يندرج تحت تصنيف ولا ينتمي لطائفة أو مذهب معين ... أرادوه مثلهم لكنه كان عصيا على التصنيف يبحث عن الإنسان ومشاكله وسعادته.
لقد عاني كثيرا بسبب غربته تلك التى أرادها حينا و التي فرضت عليه في أحيان اخرى ...
و التوحيدي رغم كل ما كتب عنه لا يزال مجهولا ... و نصوصه في حاجة ماسة لاستنطاقها والربط بينها لاستخراج ما يمكن أن يكون سيرة لحياته الغامضة .
فالقدماء زهدوا في الحديث عنه وكانوا معولا في يد الزمان لهدم أدبه وبيانه وللأسف تبعهم المتاخرين وقلدوهم في اتهامه بالزندقة والافتراء عليه وتنفير الناس من كتبه.
لقد ظلم التوحيدي ظلما بينا في حياته وظلم أيضا بعد وفاته فلابد من إنصافه وإعادة الإعتبار أولا لشخصه وثانيا لتراثه وأدبه.
وكتبه خير شاهد على بطلان الدعاوى التى راجت عنه دونما دليل أو برهان .
كانت بدايتى مع التوحيدي من خلال كتابه المقابسات وكنت حينها في إجازة صيفية بين انتهائي من الثانوية العامة وانتقالى للجامعة ولا أخفيكم سرا كان الإسم غريبا والمضمون ثقيلا على في هذا الوقت لكنى أعجبت كثيرا بمقدمة السندوبي رحمه الله أيما إعجاب عدت للكتاب أكثر من مرة بعد ذلك في فترات متقاربة لمحاولة فهمه كان بيانه جديدا ووقع الكلمات وجرسها لذيذا وبدون مجهود او عناء لاحظت التشابه الموجود بين المؤلف وبين الجاحظ حيث الاستطراد والموسوعية وتنوع الموضوعات المطروقة .
وظللت بعدها سنوات كثيرة أبحث عن كتبه وبدأت تتوالى الإمتاع والمؤانسة والهوامل والشوامل حتى كان لقائي بكتابه الكبير البصائر والذخائر وأنا مولع بكتب المختارات الادبية وفي هذا الكتاب تجلت قدرة التوحيدى على الاختيار وتوظيف النصوص وكذا اسرتني تعليقاته القصار التى تختزل الكثير من التجارب وكذا عنايته بالمترادفات واهتمامه ببيان الفروق اللغوية والدلالالية بين الكلمات وكذا مناجياته الماتعة والتى تفيض عذوبة وتاله ورقة.
فاختصرت الكتاب واخترت منه بدورى بعض النصوص وصاحبت هذا الكتاب وصاحبت نصوصه ثم بعد ذلك كان لقائي الذى طال وامتد بكتابه الفذ الفرد الإشارات الإلهية وياله من كتاب درة فريدة من درر البيان والمناجاة والانطراح بين يدى الله وكم طفرت منى الدمعات وان أقرا سطور هذا الكتاب.
ومن يومها وأنا مولع ببيان وأدب هذا الفرد الغريب ومولع بجمع كل ما كتب ويكتب عنه .
واستشعرت الغصة التى صاحبته والغربة التى رافقته وأحسست كأنى موكل بالدفاع عنه وتجلية حقيقته للناس وإنصافه من زمان مال عليه وتهم زائفة لاحقته حيا وميتا.
